Bolivie : la victoire de Luis Arce replace la gauche au pouvoir
"بعد انتصار الحركة نحو الاشتراكية في الانتخابات الرئاسية البوليفية، هذا النص  لطاهر إلمويز يدعونا إلى دراسة الديناميكيات السياسية الاساسية في أمريكا الجنوبية"

ملاحظات على هامش ذكرى الإنقلاب العسكري الذي دبرته الإمبريالية الأمريكية ضد الرئيس التشيلي « سلفادور أليندي »، في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973، بعد قرار تأميم مناجم النّحاس، والقطاعات الحيوية…

نَشَرْتُ، خلال سنتَيْ 2019 و 2020 بعض المقالات عن الوضع في أمريكا الجنوبية، وعن الإنتفاضات والتغييرات التي حصلت، خصوصًا منذ انتخاب « دونالد ترامب » رئيسًا للولايات المتحدة، ويمكن تصنيف هذا المقال في باب التّحسيس أو التوعية بضرورة بناء جبهة عالمية مُناهضة للإمبريالية، عبر تبادل الإعلام والتجارب والخبرات، والبحث عن بديل تقدّمي، اشتراكي، يخدم مصلحة الشعوب… 

يندرج اهتمامي بما يجري في أمريكا الجنوبية ضمْنَ متابعة أساليب الهيمنة الأمريكية، وأساليب نِضال الشُّعُوب المُضْطَهَدَة ضد هذه الهيمنة، ومقارنة الوضع في شبه القارة الأمريكية الجنوبية بالوضع في الوطن العربي، حيث تُعاني الشّعُوب من هيمنة الإمبريالية والصّهيونية، كما يندرج هذا الإهتمام ضمن هُمُوم أُمَمِيّة وضمن نُصْرَة الشُّعوب المُضْطَهَدَة والفئات الكادحة، حيثما وُجِدَتْ، لأن برامج التخريب والعدوان الإمبريالي لم يقتصر على الوطن العربي (الذي زُرِعَ الكيان الصّهيوني داخلَه)، بل استهدفت المخططات العدوانية الأمريكية، في إطار الهيمنة على العالم، جنوب القارة الأمريكية، حيث خَفّتْ عُزْلَةُ « كوبا »، خلال العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وارتفع عدد الأنظمة التي تُريد الإمبريالية الأمريكية الإطاحة بها، أو إفشال برامج التنمية المُستقلة بها، وجَرّبت الولايات المتحدة كافة الوسائل للإطاحة بحكومات هندوراس وفنزويلا وإكوادور ونيكاراغوا والبرازيل والأرجنتين، وتمكنت من تحقيق نجاحات، لكن عملاءها لا يتمتعون بالمصداقية التي مَيَّزت خُصُوم الولايات المتحدة، ولذلك سُرْعان ما اتّسَعَتْ رُقْعَةُ المُعارَضَة لسياساتهم وبرامجهم… 

أوجُه الشَّبَه بين أمريكا الجنوبية والوطن العربي:

استبَقَت الولايات المتحدة انهيار الإتحاد السوفييتي، فأسست « وفاق واشنطن » (منتصف حُزيران/يونيو 1989، أي بضعة أشهر قبل انهيار جدار برلين في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 1989)، وهو لقاء بين المؤسسات المالية الدولية، ومقرها « واشنطن » (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) ووزارة الخزانة الأمريكية، وأكبر الشركات العابرة للقارات والمصارف المركزية في أوروبا الغربية واليابان، واتخذ المُجتمعون قرارات لا تزال الشعوب تُعاني من تطبيقها، وهي مُستوحاة من « مدرسة شيكاغو »، وأحد جهابذتها « ميلتون فريدمان »، وأحد تلاميذه « جون ويليامسون »، وهو من أبرز مُنَظِّرِي الإقتصاد الليبرالي المُتطرّف، ويكن تلخيص هذه القرارات في فَرْضِ قواعد النظام الرأسمالي الليبرالي وفَتْح الحُدُود أمام السّلع ورؤوس الأموال، وإلغاء الرسوم الجمركية، وإلغاء دعم السلع والخدمات في البلدان الفقيرة، وتوحيد مقاييس النّمو في كافة البلدان، مهما كانت درجة تطور اقتصادها…

تأثّر العاملون والفُقراء، سَلْبًا، بتطبيق هذه السياسات التي كانت سائدة، في بعض البلدان، قبل أن يُقَرِّرَ « وفاق واشنطن » تعميمها، وأدّى تطبيقها، في الوطن العربي، إلى انتفاضات في مصر والمغرب وتونس والأردن، وكذلك في أمريكا الجنوبية التي كانت الدكتاتوريات العسكرية تحكم العديد من بلدانها…

حَكَم اليسار الجديد (بعد انهيار الإتحاد السوفييتي) بعض بلدان أمريكا الجنوبية، إثْرَ الإحتجاجات الناتجة عن الإنهيار الذي أصاب عددًا من الدّوَل، خلال العقدَيْن الأخيرَيْن من القرن العشرين في أمريكا اللاتينية، إذْ تَمَيَّزَ عقد الثمانينيات، بأزمة اقتصادية عميقة، وبارتفاع حجم الدُّيُون (والدُّيُون أداة هيمنة وأداة إخْضاع استعمارية )، وتهريب الأموال إلى الخارج، وارتفاع الأسعار ونسبة التّضخّم بشكل مُفرط، وبعدم الإستقرار السياسي، الذي أدّى إلى انهيار اجتماعي…

عَملت الإمبريالية الأمريكية على زعزعة الاستقرار في بلدان أمريكا الجنوبية (فنزويلا وبوليفيا والبرازيل…)، بالتوازي مع زعزعة الإستقرار الهَشّ في العوطن العربي (العراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان)، ونجحت الولايات المتحدة في الإطاحة بعدد من الأنظمة التي تُعارض سياساتها، وفشلت في بلدان أخرى، بينما ضَحَّتْ في الوطن العربي ببعض عُملائها، لكي يبقى النظام قائمًا، مع ارتفاع حجم الدّيون وبيْع ممتلكات الدّولة والشعب، وتَيْسِير عملية الهيمنة الإمبريالية، اقتصاديًّا وسياسيًّا، في محاولة لجعل بُلدان أمريكا الجنوبية، وكذلك الوطن العربي وإفريقيا وجنوب آسيا، في حالة تَبَعِيّة مُستمرة ودائمة.

« اليسار الجديد » في أمريكا الجنوبية:

تمتد المخططات العدوانية الأمريكية إلى كل أجزاء أمريكا الجنوبية، منذ أكثر من قرن ونصف القرن، حيث دَبّرَتْ الانقلابات ضد الحكومات الشرعية، واتخذت  فيها إجراءات اقتصادية ومالية وتجارية مُعادية (حصار ومُقاطعة وعُقُوبات…)، مثل تلك التي يُعاني منها شعب كوبا، منذ 1962،  وزعزعة استقرار كافة الدّول التي حكمتها أنظمة تقدّمية، والتّدخّل في الشؤون الدّاخلية للدول، ودعم القوى اليمينية والمليشيات الإرهابية، وإغراق البلدان بالمرتزقة وبالمخدّرات والأسلحة…

انتخب المواطنون « هوغو تشافيز » رئيسًا لفنزويلا، سنة 1998، و »إيفو موراليس » رئيسًا لبوليفيا، سنة 2006، و »رفائيل كُورِّيَّا » رئيسًا لإكوادور، سنة 2007، وشكّل الثلاثة رَمْزًا لما أسموه « اشتراكية القرن الواحد والعشرين »، انطلاقًا من أمريكا الجنوبية، وحققت الحُكُومات التي قادها هؤلاء عددًا من الإصلاحات السياسية والإقتصادية، وعارضو بشدّة منظومة الإقتصاد النيوليبرالي وهيمنة الولايات المتحدة، فيما حافظت البرجوازية المحلّيّة (المَدعومة أمريكيًّا) على ممتلكاتها ورأسمالها، وبقيت مُهيمِنَة (إلى جانب الكنيسة) على منظومة التّعليم وعلى وسائل الإعلام، ما عاد بالوبال على الرؤساء والبلدان الثلاثة (كما على قيادات حزب العُمّال في البرازيل )، وجعلهم في مواجهة قُوى الرّدّة التي تدعمها المنظمات « غير الحكومية »، المُمَوَّلَة أجنبيًّا، والسفارات الأمريكية، وحكومة كولومبيا، والقوى الرجعية في العالم…      

دشّن « هوغو تشافيز » عهد الأنظمة التقدّمية الجديدة، سنة 1998، من خلال إقرار دستور جديد، وتنظيم مشاركة الشعب في النقاش السياسي بواسطة الجمعيات العمومية الشّعْبية المفتوحة، ومن خلال إقرار عدد من الإصلاحات الإقتصادية، من بينها تأميم عدد من القطاعات الصناعية الأساسية، والإجتماعية لصالح الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة. أما في مجال السياسة الخارجية، فقد دعا إلى شكل من وحدة شُعُوب أمريكا الجنوبية، لتتمكّن من مُقاومة السياسات العدوانية للإمبريالية الأمريكية، لكن القُوى الرجعية بقيت تتحكّم بالعديد من دواليب الإقتصاد والسياسة، بفضل الدّعم الخارجي، والأمريكي بشكل خاص، وبسبب عدم القَطْع النهائي مع الرأسمالية، وقد تكون الأسباب، أو التّبْرِيرات منطقية، لكن الولايات المتحدة اعتمدت على هذه الفئات من البرجوازية العَمِيلَة لتنظيم عمليات الإنقلابات المتتالية…

عارض رؤساء الدول الثلاث علانية السياسات النيوليبرالية، خلافًا لكيرشنر (نيستور وكريستينا)، في الأرجنتين، وتاباري فاسكيز، في أورغواي، ولولا دا سيلفا، في البرازيل… أما في البلدان الأخرى التي كانت تحكمها الديكتاتوريات العسكرية، فإن العودة إلى الديمقراطية البرلمانية (بقيادة أحزاب اليمين أو الديمقراطية الاجتماعية) لم تطرح مسائل الديون والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تدعو لها القوى النيوليبرالية، كالتقشف والتنافسية والخصخصة والتعليم الانتقائي، وسرعان ما غرقت هذه البلدان في أزمات اجتماعية وسياسية. اقترضت هذه الحكومات من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وفَرَضَ الدّائنون شُرُوطَهُم (كالعادة)، وأهمها برامج وخطط التّكيُّف الهيكلي، وأدّى تطبيق هذه التدابير إلى انخفاض دخل الأُجَراء والفُقراء، وزيادة أسعار السلع الضرورية والأساسية، وزيادة معدلات البطالة والفقر، وتجسّد رد فعل المواطنين في تنظيم انتفاضات ضد الفساد والسياسات النيوليبرالية (في تشيلي، وبيرو، وغواتيمالا، على سبيل المثال).

لم يصبح الرؤساء الثلاثة (تشافيز وكوريا وموراليس) رؤساء للجمهورية بالصدفة، بل كانت هناك معارضة كبيرة من قطاعات واسعة من السكان لممثلي النظام الليبرالي الجديد. في البلدان الثلاثة، وعبّرت الأحزاب والحركات اليسارية، في البلدان الثلاثة، عن الإرادة الشعبية والآمال والتطلعات للتغيير لصالح الفقراء. إن حركات التمرد أو الاحتجاج هذه، هي التي مكّنت من تغيير النظام في بعض بلدان أمريكا الجنوبية. كان الفساد، وتوسّع دائرة الفَقْر، وارتفاع تكاليف المعيشة في فنزويلا، وهي دولة نفطية، من الأسباب الرئيسية لانتفاضة 1989 والسنوات اللاّحِقَة، حتى انتخاب هوغو تشافيز، سنة 1998.

في إكوادور، كان انتخاب رافائيل كوريا نتيجة منطقية للإحتجاجات الشعبية، خلال عقد كامل (خاصة انتفاضات السّكّان الأصليين) ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وضد القمع.

في بوليفيا، جاء انتخاب إيفو موراليس في أعقاب موجة هائلة من الاحتجاجات الاجتماعية، خلال عقد من الزمن، من العمال والفلاحين ضد خصخصة المياه وتأميم الغاز، ولكن أيضًا إضرابات فئة مزارعي الكوكا التي ينتمي إليها إيفو ماراليس، وكان نقابيًّا صَلْبًا…

تم انتخاب الرؤساء الثلاثة بعد عقد كامل من نشاط الحركات التي ترفض السياسات النيوليبرالية، وساعدت الأحزاب أو الحركات السياسية اليسارية الرؤساء الثلاثة: حركة الجمهورية الخامسة في فنزويلا ، والتحالف الوطني في إكوادور، والحركة من أجل الاشتراكية في بوليفيا.

تُعَزِّزُ الدساتير الجديدة لفنزويلا وبوليفيا وإكوادور الدور الاقتصادي للدولة، التي أممت قطاعات الاقتصاد الرئيسية واستثمرت في مشاريع بنية تحتية جديدة، وأصبحت الدولة تُشرف مباشرة على السياسات الاقتصادية وتُدِير استغلال الموارد الرئيسية والمواد الأولية والمنجمية في باطن الأرض، فأتاحت سياسات إعادة توزيع دخل الدولة من تصدير المواد الخام، الحد بشكل كبير من معدل الفقر، حيث استفادت أفقر فئات السكان من زيادة الإنفاق الحكومي في مجالات البنية التحتية والإسكان والتعليم والصحة، وانخفض معدل الأمية والفقر، لا سيما بين السكان الأصليين في بوليفيا، كما نفذت خكومات البلدان الثلاثة خطط محاربة الفساد والرشوة…

على المستوى السياسي ، تعترف الدساتير الجديدة بحقوق الشعوب الأصلية، والتزام المشاورات وتنظيم الإستشارات الشعبية لمناقشة المشاريع الكبرى التي لها تأثير على السكان، ومكنت النصوص الدستورية من الحد من عدد الفترات المتتالية لتولي منصب الرئاسة إلخ.

اتضح أن سياسة إعادة توزيع الإيرادات الحكومية، ولا سيما عائدات المحروقات (النفط في فنزويلا وإكوادور أو الغاز في بوليفيا بشكل أساسي)، لم تُحَوّل الإقتصاد الرّيعي إلى اقتصاد مُنْتِج، وأظهرت أنه من الممكن خفض معدلات الفقر بسرعة، حتى في بلدان لا تدعي حكوماتها تبنِّي الإشتراكية. إن دمقرطة الحياة السياسية برهنت على إمكانية توسيع نطاق النقاش السياسي، في صفوف العاملين والفُقراء، واهتمامهم بمصير البلاد، وبرهنت أنه من الممكن، بل ومن الضروري، إشراك السكان في إجراءات صنع القرار، إلخ.

لكن، وبعد عقدٍ كامل أو أكثر، من حكم الأنظمة التّقدّمية، أظْهر العدو الخارجي (الإمبريالية والشركات العابرة للقارات) لم يستسلم، بل لم يُسلّم العدو الإمبريالي بوجود نظام اشتراكي، بعد سبعين سنة من انتصار ثورة تشرين الأول/اكتوبر 1917. دعمت الإمبريالية الأمريكية وتوابعها، عُملاءها اقتصاديًّا وسياسيًّا، داخل كل من هذه البلدان الثلاثة، التي ذكرناها، كنماذج، واستخدم العدو الإمبريالي كافة الوسائل، الناعمة مثل دعاية وكالات الأنباء ووسائل الإعلام (الأمريكية على وجه الخصوص) والوسائل الخشنة كالمناورات العسكرية، والتهديد بالتّدخّل العسكري، وتواصل هذا العمل الهَدّام، على كافة المستويات، بشكل يومي، بل كل ثانية، وشَكّلَ انخفاض أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية، وانخفاض إيرادات الدولة، فرصة ذهبية، لأن هذه الأنظمة لم تُغَيِّرْ هيكلة الإقتصاد، الذي استمَرَّ في الإعتماد على تصدير المواد الخام، التي انخفضت أسعارها في الأسواق العالمية، منتصف سنة 2014، فلم تعد هذه الحكومات قادرة على إعادة توزيع الدخل من الريع الذي انخفض، وانخفض معه مستوى معيشة الفقراء وانخفض دعمهم للأنظمة الحاكمة…

هذا هو الدرس الرئيسي الذي يُمْكِنُ استخلاصُهُ من تجارب الأنظمة التقدمية في أمريكا الجنوبية. إن مقاومة الإمبريالية لا يمكن أن تنجح دون القطع مع النظام الرأسمالي، وتَعْسُر المُقاومة إذا لم يتم إيلاء الأولوية لتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي تسمح بالاكتفاء الذاتي، والأمن الغذائي، وإنتاج الأدوية، لضمان الصّمود ومقاومة الحصار والحَظْر و »العُقُوبات » التي تَفْرِضُها الإمبريالية الأمريكية، وتنفذها دول العالم، وفي هذا المجال، أظْهَرت إيران (ذات الإقتصاد الرأسمالي، تحت إشراف الدولة) وكوبا (ذات الإقتصاد الإشتراكي، رغم النواقص) قُدْرَتَهما على الصّمود لعدة عُقُود، ولم تتمكّن الإمبريالية الأمريكية (والأوروبية) من تنفيذ انقلاب، عسكري أو « دُسْتُوري »، والإطاحة بالنّظامَيْن أو بأحَدِهما، رغم المحاولات المتكررة، منذ 1959 في كوبا، ومنذ 1979 في إيران… 

مُنعطف سياسي نحو اليمين:

شهدت أكبر دول أمريكا الجنوبية تغييرات سياسية، وإزاحة حكومات اليسار، بالإنتخابات أو بالإنقلابات، فزاد الوضع سوءًا، خصوصًا بعد زيادة انتشار وباء الفيروس التاجي « كورونا » في عدد من بلدان أمريكا الجنوبية (البرازيل والمكسيك وتشيلي وبيرو وغيرها)، حيث حذّرت منظمة الصحة العالمية، منذ يوم الثلاثاء 26 أيار/مايو 2020، من المخاطر والتأثيرات السلبية على مستويات الإقتصاد والحياة اليومية للمواطنين، وارتفاع حدة البطالة والفَقْر، وتَوقّعَ برنامج الغذاء العالمي، التابع للأمم المتحدة، ارتفاع عدد الفُقراء الجُدُد، ممن يواجهون خطر الفَقْر المدقع في جنوب القارة الأمريكية، من 3,4 ملايين نسمة سنة 2019، إلى ما بين 14 و 16 مليون فقير إضافي، سنة 2020، بسبب انتشار فيروس « كوفيد 19 » الذي شَلّ الإقتصاد، وأصابَهُ بالرُّكُود، وخَفّضَ فُرَص العمل، ما يَضْطَرُّ الفُقراء والعُمّال غير الرسميين، وعاملي الإقتصاد المُوازي، والعَاملين الذين فَقَدُوا وظائفَهُم، إلى انتهاك إجراءات الحجر الصحي والحبس المنزلي، من أجل البحث عن القُوت، وتتوقع منظمة الصحة العالمية وبرنامج الغذاء العالمي، أن تكون نتائج الجوع وسوء التغذية وخيمة، على صحة وحياة الفُقراء، على مدى سنوات عديدة، في غياب أو ضُعْفِ شبكات التّأمين الإجتماعي والصّحّي، خصوصًا بعد التّغْيِيرات التي شهدتها المنطقة، بنهاية سنة 2019، والأحداث التي قَلَبَت موازين القُوى لصالح اليمين المحلي والإمبريالية الأمريكية، وأهمها الإنقلاب في بوليفيا (نتناوله في فقرة خاصة).

في أوروغواي، وبعد 15 عامًا، خسرت « جبهة أمبليو » الحكم، وخسر معها التقدميون والشعب الفلسطيني حليفًا سياسيا هامًّا، إذ وصف الرئيس السابق، « خوسيه موخيكا » (وهو مقاتل سابق في منظمة « توباماروس »، وسجين سياسي سابق قضى 14 سنة في السجن ) تصرفات الكيان الصهيوني ضد فلسطينيّي قطاع غزة، بأنها عملية « إبادة جماعية »، وأصبح السيناتور اليميني « لويس ألبرتو لاكال » (ابن رئيس سابق للبلاد) رئيسًا، تم تنصيبه رسميا، يوم 01 آذار/مارس 2020، ووَعَدَ باتخاذ تدابير اقتصادية نيوليبرالية جديدة، بسرعة،  لخفض الاستثمار العام، ولزيادة أرباح الرأسماليين ورجال الأعمال…

في البرازيل، أكبر دولة وأكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، أصبح الضابط السابق، اليميني المتطرف، والمُساند للإنقلاب العسكري (1964 – 1987) رئيسًا للبرازيل، بداية من أول كانون الثاني/يناير 2019، ويواجه نحو خمسين دعوى قضائية، من بينها اتهامات موجهة له ولأبنائه بالفساد والرشوة، وأطلق، خلال حملة الإنتخابات الرئاسية، شعارات عنصرية، وأخرى ضدّ حقوق النساء والشعوب الأصلية في البلاد، وأعلن ولاءه المُطْلَق للرئيس الأمريكي « دونالد ترامب »، ولليمين المسيحي – الصهيوني الذي دعمه، كما حاز على دعم مجمّع الصناعات الغذائية، الذي يستهدف إزالة مساحات شاسعة من الغابات المطيرة (أمازون)، وشق الطرقات، وطرد السكان الأصليين منها، وخلال عام واحد، فقدت منطقة الأمازون البرازيلية قرابة عشرة آلاف كيلومترًا مربعًا من الغطاء النباتي، أو ما يُعادل مساحة جزيرة « قبرص »، بحسب بيانات « الهيئة العامة » البرازيلية، التي أكّدت ارتفاع وتيرة إزالة الغابات، خلال فترة حُكْم اليمين المتطرف، برئاسة « جاير بولسونارو »، بدعم من كبار مُربِّي الماشية. نُذَكِّرُ أن البرازيل من أوائل الدّول التي نقلت سفارتها من تل أبيب إلى القُدْس.

في كولومبيا، دعمت الإمبريالية الأمريكية تيارات اليمين المتطرف بكل قواها وأسلحتها وأجهزة إعلامها ودعايتها، وحافَظَ اليمين، بكل فصائله على الحُكم، بفضل هذا الدّعم الأمريكي، وأصبح « إيفان دوكي » رئيسًا في آب/أغسطس 2018، بدلا من « ألفارو أوريبي »، وهما من نفس التيار السياسي الذي واجه أزمة سياسية، ومظاهرات ضخمة، احتجاجًا على تغيير قوانين العمل السيئة إلى أسْوأ، و »إصلاح » نظام المعاشات، أي زيادة عدد سنوات العمل (إن وجد الناس عَملاً في القطاع الرسمي) وخفض الجرايات، ونظمت النقابات والأحزاب والمنظمات الأهلية إضرابًا عاما ومظاهرات يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، جمعت مئات الآلاف من الكولومبيين في الشوارع، كما احتج الطلاب والعمال والمتقاعدون والمواطنون والفلاحون وغيرهم، على عدم احترام اتفاقيات السلام الموقعة مع القوات المسلحة الثورية لكولومبيا، وضد الاغتيالات التي تعرض لها النقابيون وقادة الحركات الاجتماعية دون عقاب…

فَرَضَت هذه الحركة الإجتماعية بعض التنازلات من قِبَل السّلطة، فَفِي الرابع من شهر آب/أغسطس 2020، أصدرت المحكمة العليا في كولومبيا مذكرة توقيف بحق الرئيس السابق « ألفارو أوريبي فيليز »، الذي كان يُعْتَبَرُ فوق القانون، واتّهَمَهُ القضاء باختلاس المال العام، وبالتلاعب بنتائج العديد من التقارير الرسمية، وهو مُتّهم (وكذلك مُحامِيه) بعلاقاته الوثيقة مع المليشيات المُسلّحة، اليمينية المتطرفة، التي تورّطت في عمليات اغتيال المُعارضين والنقابيين، والسكان الأصليين للبلاد، ويدعم الرئيس الحالي « إيفان دوكي » الرئيس السابق، بدون تَحَفُّظ. من جهة أخرى، نُشيرُ أن أراضي « كولومبيا » تُعتَبَرُ قاعدة عسكرية ضخمة أمريكية وصهيونية، وهي تقع على المحيط الأطلسي، ولها حدود مع فنزويلا والبرازيل وإكوادور وبيرو، وتُشكّل رأس حربة الإمبريالية الأمريكية، ضد شُعُوب المنطقة.

في إكوادور نظمت الإمبريالية الأمريكية حملة شرسة على حكومات « اليسار المُعتدل »، برئاسة « رفائيل كوريا »، من 2007 إلى 2017، وكان فَوز الرئيس اليميني الموالي لأمريكا، « لينين مورينو » مفاجأة سارة للولايات المتحدة ولصندوق النقد الدّولي، الذي رفضت الحكومات السابقة شُرُوطَهُ، وقُروضَه، وعاد إلى « إكوادور » بعد فوز « مورينو »، الذي اقترض نصف مليار دولارا، من الصندوق، شرط تغيير قانون الضريبة لصالح الأثرياء، وزيادة الضرائب غير المباشرة على الفقراء والأُجَراء، وإلغاء دعم الوقود والغذاء، ولكن الإحتجاجات الإجتماعية القوية التي قادتها قطاعات السكان الأصليين جعلت الحكومة تتراجع (مؤقتا) في انتظار فرصة مواتية، وأعلن المتحدث باسم صندوق النقد الدولي « مواصلة التشاور مع الحكومة بشأن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي اقترحها الصندوق ».

في فنزويلا، لم تتمكن المعارضة اليمينية، رغم الدّعم الأمريكي غير المحدود، ورغم محاولات الإنقلاب الفاشلة، من الفَوز في الإنتخابات،  ولذلك يئست من إمكانية الفوز عبر صناديق الإقتراع، فقرّرت مُقاطعة الإنتخابات وقررت مُسْبقًا، عدم الإعتراف بنتائجها، ونصبت السفارة الأمريكية دُمية نكرة (خوان غوايدو) زعيمًا للمعارضة وزعيما غير منتخب للبلاد، بعد انتخابات السادس من كانون الأول/ديسمبر 2018، وأوعزت للنظام العميل في كولومبيا بالتدخل العسكري المباشر، على الحدود، واكتمل حصار فنزويلا بوصول « بولسونارو » إلى الرئاسة في البرازيل، الواقعة على حدود فنزويلا أيضا، وتُعتَبَرُ هذه المعارضة الفنزويلية، الأكثر انحيازًا للإمبريالية الأمريكية، واشترطت تنحّي الرئيس المُنْتَخَب « نيكولاس مادورو » (خليفة هوغو تشافيز) لتُشارك في عملية الإقتراع، وأعلن أحد موظفي البيت الأبيض (المسؤول عن ملف فنزويلا) أن الولايات المتحدة تدعم دُميَتَها « خوان غوايدو »، وتحث حلفاءها على تقديم الدّعم له، وفرضت الإمبريالية الأمريكية حصارًا سياسيا واقتصاديا وتجاريا على فنزويلا التي لا تستطيع استغلال نفطها، ولا ودائعها الموجودة بالخارج، واضطرت إلى طلب المساعدة من إيران، الواقعة بدورها تحت الحصار الأمريكي، منذ أكثر من أربعين سنة…

في تشيلي، نظمت الولايات المتحدة وشركاتها العابرة للقارات، انقلابًا ضد الرئيس المنتخب « سلفادور أليندي »، في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 1973، ونصبت مكانه طُغْمَة عسكرية، بقيادة « أوغوستو بينوشيه »، بدعم من الولايات المتحدة، ومن صندوق النقد الدّولي، وارتكب الحكم العسكري مجازر، ذهب ضحيتها حوالي ثلاثة آلاف، خلال أيام الإنقلاب الأولى، واختطف الآلاف من المناضلين، وسُجن ما لا يقل عن ثلاثين ألف مواطن، ولجأ عشرات الآلاف إلى الخارج، هربًا بجلدهم، واستمرَّ الحُكم العسكري، حتى سنة 1990، وبقي الدستور الذي فرضه الجيش ساري المفعول حتى الآن (سنة 2020)، ما مَكّن المُجْرِمِين من الإفلات من العقاب، وما مكن الحكومات المتعاقبة، بعد نهاية الحكم العسكري، من تطبيق برامج نيوليبرالية اقتصادية، استفاد منها الأثرياء الذين زادت ثرواتهم، وأضَرّت هذه السياسات بمصالح العُمّال والكادحين والأُجَراء، وحتى متوسّطي الدّخل، فانطلقت مظاهرات جماهيرية عارمة، بنهاية سنة 2019، ضد ارتفاع أسعار الوقود والنقل والتعليم، وضد الفوارق الطبقية التي توسّعت وزادت من حدة الفَقْر المُدْقَع، وكذلك ضد النظام السياسي، والدّستور المَوْرُوث من الحُكْم العسكري، مع الإشارة أن الرئيس الحالي، ثري، ورث الثراء عن أُسْرَته التي دعمت الإنقلاب العسكري سنة 1973، واستفادت منه.

كشفت مطالب المتظاهرين، التي قمعها العسكر بشدة، بدعم من خُبراء الشرطة والجيش الصهيونِيّيْن (كما في كولومبيا والبرازيل وغواتيمالا وغيرها)، والمقالات التي نُشِرَتْ بالمناسبة، عن انهيار منظومة الرعاية الصحية، وعن ارتفاع مساحة الأحياء غير النظامية (العَشْوائيات) المحرومة من الكهرباء والماء والصرف الصحي، وزيادة عدد المُشردين، في بلد غني بالموارد (أكبر منتج للنحاس) وواسع متعدد الإنتاج الزراعي والمنجمي والصناعي…

بيرو:

احتلت البلاد المركز الثاني في أمريكا الجنوبية، بعدد الوفيات، جراء انتشار وباء « كوفيد 19″، بينما تعيش البلاد وضعًا اقتصاديًّا خطيرًا، نتيجة الخيارات النيوليبرالية التي طبقتها الحكومات المتتالية، منذ ثلاثة عُقُود، والتي أدّت إلى تخريب القطاع العام، وخصخصة المرافق والخدمات، ما رَفَعَ من حجم ونسبة البطالة والفَقْر، فاضطر أكثر من 70%  من « قُوّة العمل » (السّكان القادرون على العمل) للعمل في الإقتصاد « غير الرسمي » (الإقتصاد المُوازِي)، بدون حُقُوق، مع الحرمان من التأمين الإجتماعي والصّحّي، ومع غياب المُدّخرات لدى هؤلاء العاملين الفُقراء وغيرهم، يَعْسُرُ عليهم تطبيق قرارات الحجر الصحي والحبس المنزلي، كما حال كافة فُقراء العالم، خاصة في غياب نظام صحة حكومي، أو عُمومي، مفتوح للجميع، ولا يُلبِّي النظام الصّحّي (القطاع العام) في « بيرو » سوى نحو 10% من احتياجات السّكّان، وعملت الحكومات المتعاقبة على تخريب النظام الصحي، لصالح الطب الخاص، الذي لا يهتم سوى بتحقيق القدر الأقصى من الرّبح، وحصل القطاع الخاص عُمومًا، في كافة القطاعات، على ممتلكات الشعب (القطاع العام) بأسعار رمزية، في بلد عرف انتشارًا واسعًا للفساد، على مستوى كافة المؤسسات الرسمية المحلية والوطنية، في الجهاز التنفيذي والتشريعي والقضائي…

بدل دعم الفُقراء والعاملين الذين تضرّرُوا من انتشار وباء « كوفيد 19″، اتخذت الدّولة إجراءات قَمعية، ضد حوالي مائة ألف مواطن، لم يتمكنوا من احترام إجراءات الحَجْر الصّحّي، وأعدّت الحكومة « برامج إنقاذ »، أو « خطط إنقاذ »، تمثلت في توزيع المال العام على الشركات، كما فعلت معظم حكومات العالم، ما يُعزّز موقع هذه الشركات وموقع أصحابها الرأسماليين الفاسدين، في المجتمع، واستغل اتحاد أرباب العمل في بيرو (كونفيد) هذه المناسبة (انتشار الوباء ) للمطالبة بإلغاء القوانين المنظمة للعمل، واستجابت الحكومة لهذا المطلب، وقبضت الشركات المال العام من الدّولة، ثم أطردت موظفين نقابيين أو « مُشاكسين »، بحسب مقاييس الرأسماليين، ليبلغ عدد العاملين المُسرّحين من العمل، خلال ستة أشهر، نحو ثلاثة ملايين عامل، بحسب تقديرات اتحاد نقابات العُمّال، في بلد يكاد يضمحل فيه اليسار، بسبب القمع الرهيب الذي استهدفه، منذ منتصف سبعينات القرن العشرين، وبسبب التشرذم وغير ذلك من العوامل…

بوليفيا:

نُخَصّص حيزًا هامًّا لبوليفيا، كنموذج لما تقوم به الإمبريالية الأمريكية من مناورات، لخدمة مصالحها الإستراتيجية، والإقتصادية، ودفاعًا عن مصالح المصارف والشركات العابرة للقارات، أمريكية المَنْشَأ، كما نُخصّصُ حيّزًا آخر لكوبا التي تُقاوم سُلطاتُها وشعبُها الحصار المفروض منذ قرابة ستة عُقُود…

نظّمت الإمبريالية الأمريكية انقلابًا واضحًا (بدون لَفٍّ ودَوَران)، بعد فَشَلها في الإطاحة، عبر الإنتخابات، والمال السياسي، والإعلام، والدّعاية، بالرئيس المُنْتَخب « إيفو موراليس »، ونَصّبت  » جانين أنيز » رئيسة مُؤقتة، يوم 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، لبضعة أسابيع، حسب الدعاية الأمريكية آنذاك، ولكنها لا تزال رئيسة، حتى كتابة هذه الفقرات (الأول من أيلول/سبتمبر 2020)، ورغم الوعود المعسولة، سارعت الحكومة الجديدة الموالية للإمبريالية الأمريكية، ولشركاتها، والمتحالفة مع تيارات الدين السياسي المسيحي، إلى إقصاء السكان الأصليين وإلى اعتبارهم مواطنين من درجة ثانية، وشرعت سلطات الإنقلاب في تطبيق سياسة « العصا الغليظة » (بالتعبير الأمريكي)، ضد المنظمات والمواطنين الذين اعترضوا على انقلابها، بدعم امبريالي، وضد سياساتها، وقمعت قوات الشرطة تجمّعًا حاشدًا نظمه مركز العمال البوليفي ( COB )، بنهاية شهر تموز/يوليو 2020، بمشاركة منظمات المُزارعين، ومنظمات  الثقافة والشباب ومنظمات مجتمعات السكان الأصليين، وعدد من المنظمات الأخرى، احتجاجًا على تأجيل الانتخابات، وعلى العنف الذي يتعرض له المُعارضون للإنقلاب…

لقد فشلت سلطات الإنقلاب، في تعزيز سلطتها، خلال عدة أشهر، رغم الدعم الأمريكي والقمع الوحشي، وهي تحاول كسب الوقت والبحث عن « فتاوى » قانونية لاستبعاد المعارضين من الحياة السياسية، ومن الترشح للإنتخابات، لكن تعدّيها على قواعد الديمقراطية، واستخدامها العنف، أدّى إلى تراكم السخط الشعبي، وعودة المطالب الديمقراطية والإجتماعية إلى واجهة الحياة السياسية

خلفيات انقلاب بوليفيا:

توفي « إرنستو تشي غيفارا » في بوليفيا، برصاص عملاء الولايات المتحدة، بإشراف وكالة المخابرات الأمريكية، في التاسع من تشرين الأول/اكتوبر 1967، وبعد مرور خمسين عامًا على اغتياله، نظمت الإمبريالية الأمريكية انقلابا، ذا صبغة عنصرية، ضد الرئيس « إيفو موراليس »، أول رئيس، من السكان الأصليين للبلاد ( نحو 80% من إجمالي سُكّان بوليفيا )، الذين أبادهم الإستعمار الإسباني والبرتغالي، في أمريكا الجنوبية، والإستعمار الإستيطاني الأوروبي عموما، في الأمريكيتيْن وفي جزر بحر الكاريبي، وتُعتبر « بوليفيا » مَنْجَما لمادة « الليثيوم » الإستراتيجية، المُستخدَمة في التكنولوجيا المتطورة، وفي بطاريات السيارات الكهربائية وعدد من التجهيزات المتطورة في مجالات الفضاء والإتصالات والنقل والمعلوماتية، وغيرها، وأَمّمَ نظام الرئيس « إيفو موراليس » الليثيوم، وقرّر (بدعم من الصّين) تَحَكُّم البلاد في عملية الإستغلال الصناعي لهذه المادّة، وغيرها من الثروات المنجمية للبلاد كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والزنك، واحتياطي ضخم من الغاز الطبيعي، وتعمل الشركات الأمريكية، بالتعاون مع شركات صهيونية، على استغلال هذه الثروات، والإستحواذ عليها، مع شركات صهيونية ومن دول امبريالية أخرى…

كانت 26 شركة أجنبية (منها روبسول الإسبانية، وتوتال الفرنسية، وإكسون الأمريكية، وبريتيش غاز البريطانية، وبيتروبراس البرازيلية) تُسيطر على حقول النفط والغاز في بوليفيا، قبل قرار التّأميم، التي أغضبت حكومة الولايات المتحدة وحكومات الدّول الأخرى، خصوصًا بعد توقيع اتفاق تجاري بين كوبا وبوليفيا وفنزويلا، تحت إسم « اتفاقية البديل البوليفاري للأميركيين »، كبديل لاتفاق التجارة الحرة بين الأميركيتين الذي تدعمه، وتهيمن  الولايات المتحدة على الأطراف التي تُشكّلُه، ويتضمن الإتفاق إلغاء التعريفات الجمركية والتعاون في مجالات عديدة، منها البحث العلمي والتعليم، بين كوبا وفنزويلا وبوليفيا، التي أعلنت حُكومتها، يوم الإثنين 01 أيار/مايو 2006 تأميم قطاع المحروقات (النفط والغاز)، وبعد يوم واحد أعلنت تأميم الموارد الطبيعية للبلاد، كالمناجم والغابات والأراضي الزراعية، وسَيْطَر الجيش على مواقع حقول النفط والغاز، وطلبت الحكومة من الشركات الأجنبية توقيع عقود جديدة، تضمن مصلحة البلاد، في غضون ستة أشهر، وهدّد الرئيس إيفو موراليس بطرد الشركات التي ترفض الشّرُوط الجديدة، وأعلن تصنيع النفط في البلاد، بدل تصديره خامًّا، وقدّرت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب 03 أيار/مايو 2006) أن تزيد إيرادات الدولة من إجراءات تأميم المحروقات، بأكثر من سبعمائة مليون دولارا، سنويًّا، وفقدت بذلك الشركات الأجنبية، ومعظمها أمريكية، سيطرتها المباشرة على ثروات بوليفيا الباطنية، ما أغضب الولايات المتحدة التي ازدادت مؤامراتها وخطَطُها الإنقلابية والإستعمارية للتخلص من نظام بوليفيا، الذي تمكّن من مُضاعفة حجم الإقتصاد (أو حجم الناتج المحلّي الإجمالي) إلى ثلاثة أضعاف، بين 2006 و 2014، كما ارتفع مستوى احتياطي النّقد الأجنبي إلى مستويات قياسية، وارتفعت القيمة الحقيقية للرواتب بمعدّل 60% وانخفض حجم الفقر المُدْقَع بنسبة 60% أيضًا، خلال نفس الفترة (2006 – 2014)، وكان 70% من سكان البلاد في حالة فَقْر مُدْقع، سنة 2006، لكن هذه النتائج الإيجابية أغضبت الولايات المتحدة التي شجّعت شركات عديدة (أمريكية وأجنبية أخرى) على رفع دعاوى قضائية ضد إجراءات سياسة التّأميم التي أقَرّتها حكومة بوليفيا، بحسب صحيفة « فايننشال تايمز » البريطانية، وبعد تأميم « الليثيوم »، افتتحت الحكومة، في أيلول/سبتمبر 2018، أول مصنع لكلوريد الليثيوم والبوتاسيومن وصَدّرت البلاد، في كانون الأول/ديسمبر 2018، حوالي 150 طنًّا من  في ديسمبر من  الليثيوم إلى البرازيل، وحوالي 200 طنًّا، سنة 2019، وكان من المتوقع تصدير حوالي 350 طن إلى البرازيل والأرجنتين، سنة 2020، ولكن المصنع أُغْلِقَ، في كانون الثاني/يناير 2020، إثر الإنقلاب المدعوم أمريكيًّا (  يوم الأحد ، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2019)، والذي أدّى إلى ارتكاب أعمال عنصرية، وصلت حد تنفيذ المجازر ضد السكان الأصليين للبلاد، وإحراق قُراهم ومنازلهم ومزارعهم، وهاجمت العصابات اليمينية المُسلّحة والمُدَرّبَة أمريكيًّا، مناضلي وقادة حزب « ماس » (من أجل الإشتراكية) الذي كان إيفو موراليس أحد قادَتِهِ، واعتدت عناصر مسلحة على أُخْت « إيفو موراليس » وأُسْرَتِها، وعلى العديد من نساء السّكّان الأصليين، ما أدّى إلى عدد غير معروف من حالات الوفاة… يندرج الإنقلاب اليميني في بوليفيا، ضمن اتجاه قار للإمبريالية الأمريكية، يتمثل في القضاء على أي محاولة للتحَرّر أو الإستقلال، في جنوب القارة الأمريكية، التي تريد الولايات المتحدة أن تبقى فناءً خَلْفِيًّا لها، ومنطقة تستغلّها الشركات العابرة للقارات، ذات المَنْشَأ الأمريكي، ولها بها ما لا يقل عن ثمانين قاعدة عسكرية، تراقب ما يجري في كافة بلدان جنوب القارة الأمريكية، وتتدخل لصالح الرأسمالية واليمين، عبر تنظيم وإدارة الإنقلابات العسكرية، إذا اقتضى الأمر، وكانت الإمبريالية الأمريكية قد أنشأت، سنة 1948، خلال الحرب الباردة، منظمة الدول الأمريكية، بهدف إبقاء دول أمريكا الوُسطى والجنوبية، في دائرة الإمبريالية الأمريكية، وهي نفس المُنظّمة التي رفضت الاعتراف بنتائج الانتخابات البوليفية، سنة 2019، ومارست ضغطًا قويًا على الحكومة، ما أدّى إلى استقالة الرئيس « إيفو موراليس »، تحت التّهديد والإبتزاز، ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين، نفذت الولايات المتحدة حوالي عشر انقلابات، في أمريكا الجنوبية ومنطقة بحر الكاريبي، خلال 18 سنة، ومنها  فنزويلا سنة 2002 و 2013، وهايتي سنة 2004 ، وبوليفيا سنة 2008 و2019، وهندوراس سنة 2009، وإكوادور سنة 2012، والبرازيل سنة 2016، ونيكاراغوا سنة 2018… وبحسب التجارب السابقة، ارتفع عدد الفُقراء، في البلدان التي حدثت بها انقلابات بإشراف أمريكي، بمقدار الثُّلُث، بسبب السياسات النيوليبرالية والخصخصة، وشروط صندوق النقد الدولي، التي تنسف البرامج التي أَقَرّها اليسار، والتي تتضمن مكافحة الفقر والبطالة والأُمِّية، ورفض قُرُوض وشُرُوط صندوق النّقد الدّولي، وحافظت الولايات المتحدة على عُملاء مَحلِّيِّين، يمتلكون قُدرة مالية ضخمة، ووسائل إعلام، ومدارس خاصة، وشبكات توزيع بعض الفُتاة على الفُقراء، في الكنائس، وفي الأحياء الشعبية، لتهيئة المناخ لتنفيذ انقلابات « دستورية »، أو « ثورات مُلَوّنَة »، بحسب الوَضْع، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد كثفت عملياتها التخريبية في بوليفيا، منذ سنة 2017، مُستغلة انخفاض إيرادات الدّولة من الغاز والنفط، نتيجة انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية، ونتيجة اتجاه البرازيل (تحت حكم « ميشال ثامر »، ثم بولسونارو) لشراء الغاز الأمريكي (الغاز الصّخري) بدل الغاز البوليفي.

تبلغ مساحة بوليفيا حوالي 1,1 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها نحو 11 مليون نسمة، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي، بعد فنزويلا، وأكبر احتياطي عالمي لمادة الليثيوم، بنحو 21 مليون طن، أو ما بين 50% إلى 70% من الإحتياطيات العالمية، وتعتقد صحيفة « بوليتيكو » الإسبانية « أن الليثيوم أطاح بالرئيس إيفو موراليس »، عندما تم تغيير القانون الأساسي، سنة 2009، وإعلان « جميع ثروات البلاد الباطنية ملكية وطنية »، رغم محاولة التّسَتُّر وراء شعارات مُضَلِّلَة وزائفة، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لم تغفر الحكومة الأمريكية وشركاتها « خطيئة » تأميم قطاعات الاقتصاد الرئيسية، كالغاز (تمتلك بوليفيا ثاني أكبر احتياطي للغاز في أمريكا الجنوبية، بعد فنزويلا)، وخاصة تأميم قطاع استخراج الليثيوم، وإعداد مشروع لتصنيع هذه المادة الإستراتيجية، المُستخدمة في صناعة البطاريات وفي إنتاج المركبات الكهربائية والطائرات والهواتف المحمولة وفي صناعة بعض الأدوية، وتمتلك بوليفيا أكبر احتياطيات من الليثيوم في العالم، وهو معدن خفيف وناعم وقابل للإشتعال، يوجد تحت طبقات من الملح، تشبه في مَظْهَرِها مساحات الثّلْج، في منطقة تقدر مساحتها بنحو 100 كيلومتر مربع، على ارتفاع يفوق 3600 متر، في بوليفيا، ويُستخدم الليثيوم في صناعة الزجاج والسيراميك، ولكن أهميته الحقيقية تكمن في اعتباره عنصرًا هامّا في صناعة الأسلحة المتطورة، وأحد أهم مكونات البطاريات الصغيرة، التى تمد جميع أنواع الأجهزة الالكترونية مثل الهواتف المحمولة والحواسيب أو السيارات، بالطّاقة، وقد يُصبح بديلاً للوقود الأُحفوري، وله أيضًا استخدامات طبية، لعلاج بعض الأمراض…

في بداية سنة 2019، أي قبل الإنقلاب ببضعة أشهر، جرت مفاوضات بين حكومتَيْ بوليفيا والصّين، لتوقيع عقد طويل الأجل لتصنيع البطاريات والمنتجات ذات الصلة بالليثيوم، فى بوليفيا، وتواصلت المفاوضات إلى أن وافقت الصين على استثمار 2,3 مليار دولار، على أن تكون حصة الشركة الحكومية البوليفية 51% وحصة الشركة الحكومية الصينية 49%، لكن الإنقلاب وضع حَدًّا لهذا المشروع الذي كن من المُقرر أن يُوفّر المئات من الوظائف ذات المهارات في بوليفيا، التي سوف تكتسب خبرة في مجال التقنيات المتقدمة، والصناعات ذات القيمة الزائدة المُرتفعة، بدعم صيني، وتسمح معالجة الليثيوم فى بوليفيا ببقاء القيمة المضافة والفوائد الرئيسية فى بوليفيا، وهو ما لا ترضاه الإمبريالية الأمريكية، لأن الصين أصبحت تنتج معظم السيارات الكهربائية في العالم، بنحو مليون سيارة سنة 2018، وتتوقع إنتاج ثلاثة ملايين سيارة، سنة 2025، باستخدام الليثيوم البوليفي، لتشغيل بطارياتها…

تُخَطّط حكومة الإنقلابن التي أعلنت حالة الطوارئ، ونفذت مجازر ضد السكان الأصليين، وضد مُعارضيها، لإلغاء اتفاق الشراكة بين الصين وبوليفيا، ضمن مبادرة الحزام والطريق (الصينية)، ولخصخصة مناجم المعادن والليثيوم والغاز والنفط والمعادن، وتحويلها من « ملك للدولة وللشعب البوليفي » إلى ملك  للشركات الأمريكية، التي سوف تتحكم بأكبر احتياطي للليثيوم في العالم، لكي يبقى سكان بوليفيا فُقراء، وتستحوذ الشركات الأمريكية على ثروات بلادهم… 

يمتلك الملياردير الأمريكي، « إيلون ماسك »، علامة سيارات « تسلا » الكهربائية، التي تحتاج معدن الليثيوم لشحن وتشغيل بطارياتها الكهربائية، وكتب تغريدة يوم 24 تموز/يوليو 2020، « نُنَفِّذُ انقلابات ضد من نريد، ممن يُعارضون مصلحتنا… سَنُدافع دومًا عن مصالحنا… دعوا الحكومة الأمريكية تشرف على نتائج الإنقلاب ضد إيفو موراليس في بوليفيا حتى تتمكن من أخذ الليثيوم هناك، بتكلفة منخفضة « ، واعترفت وسائل الإعلام الرئيسية، بعد الإنقلاب، بعدم وجود أي دليل على تزييف نتائج الإنتخابات التي فاز بها « إيفو موراليس » والتي ادّعت الحكومة ووسائل الإعلام الأمريكية أن نتائجها مُزيّفَة، ما جعل البعض يصف الإنقلاب ب »انقلاب الليثيوم »، ضد الرئيس إيفو موراليس الذي كافح طيلة 14 سنة من أجل وضع حد لنهب ثروات البلاد، التي شهدت خلال فترة حُكْمِهِ، تلبية العديد من الحاجات الأساسية للسكان، وانخفاض نسبة الأمية، والفقر، واعترف « إيلون ماسك » بمشاركته في الإعداد ل »انقلاب الليثيوم »، بهدف الوصول إلى هذا المعدن، الضروري لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، بتكلفة منخفضة، وكان قد خطّط، قبل نجاح الإنقلاب لبناء مصنع « تسلا » في البرازيل، واستخدام الليثيوم من بوليفيا الواقعة على الحدود، بدل توريده من أستراليا… بعد أقل من ثمانية أشهر من انقلاب تشرين الثاني/نوفمبر 2019، كتب سبعة من أعضاء مجلس الشيوخ في بوليفيا، إثر تكثيف عمليات الإغتيال والإعتقال والترهيب، ضد السكان الأصليين، وضد أعضاء « الحركة من أجل الاشتراكية »، بتاريخ يوم السابع من تموز/يوليو 2020: « نحن شديدو القلق بشأن تزايد عدد انتهاكات حقوق الإنسان وبشأن القيود المفروضة على الحريات المدنية من قبل الحكومة البوليفية المؤقتة… »

افتتحت حكومة بوليفيا، في أيلول/سبتمبر 2018، أول مصنع لكلوريد الليثيوم والبوتاسيوم، لكن حكومة الإنقلابيين التي نصبتها الولايات المتحدة (يُفْتَرَضُ أنها حكومة مؤقتة لا تتخذ قرارات استراتيجية)، أوقفت عمل المصنع، منذ بداية العام 2020، أي بعد مُضِي أقل من شهرَيْن على تنصيبها، وبذلك توقّف إنتاج كلوريد البوتاسيوم واليوريا، في حين كان من المتوقع زيادة الصادرات إلى بلدان عديدة أخرى…

كان نظام الرئيس موراليس قد فض، عقد التنقيب واستخراج الليثيوم مع الشركة الألمانية ( ACISA ) ، من أجل إعادة التفاوض على نسبة الأرباح الضئيلة التي كانت تعطيها الشركة إلى بوليفيا، والشركة هي من  مزوّدي شركة « تسلا » (لصاحبها « إيلون ماسك »)  ببطاريات الليثيوم، وبعد ثلاثة أيام من تاريخ الإنقلاب العسكري (10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019) وعلى أثر انقلاب عسكري، عادت الشركة الألمانية إلى العمل في بوليفيا، مع إلغاء العقد الجديد، وإحياء العقد السابق، وارتفعت أسهم شركة « تسلا » بشكل متواصل، ومثير للإنتباه، وعادت الشركات العابرة للقارات لنهب ثروات الشعب البوليفي، ومنها الليثيوم الذي انخفض سعره في الأسواق العالمية، لترتفع أرباح شركة « تسلا » الأمريكية، وتزداد قيمة ثروة مالكها الذي يدعو إلى ضرورة تنفيذ الإنقلابات ضد من يُعارض مصلحة الولايات المتحدة، أي مصلحة شركته (تجدر الإشارة إلى نشْر موقع « بوليفار إنفو » منتصف حزيران/يونيو 2020، ملفًّا قَيِّمًا عن سياسات الإمبريالية الأمريكية في أمريكا الجنوبية).

كوبا:

في البلدان التي لم تتمكن الإمبريالية الأمريكية من تنصيب عملائها بها، مثل « فنزويلا »، و « كوبا »، تعاني الشعوب من الحصار و »العقوبات »، ومع ذلك قَلّ عدد حالات الإصابة بوباء الفيروس التاجي « كوفيد 19 » في فنزويلا، التي نوهت منظمة الصحة العالمية بإدارتها لهذه الأزمة الصّحّيّة، أما كوبا فأرسلت مئات الأطباء إلى مختلف بلدان العالم (أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا وإفريقيا) لمساعدتها على مجابهة الوباء، وكوبا بلد صغير، لا يمتلك موارد، لكن يرسل فرقًا طبيًة لمساعدة بعض البلدان الرأسمالية الأوروبية (إيطاليا وفرنسا…)، وتخصص كوبا ميزانية هامة (مقارنة بمواردها) للبحث العلمي والرعاية الصحية والتعليم والوقاية من العواصف، وترسل الأطباء والمُنقِذين والمُرَبِّين، ومدرّبي الرياضة، إلى كافة بلدان العالم، ولئن لم تتمكن الولايات المتحدة من الإطاحة بنظام كوبا، رغم المحاولات المُتَعَدِّدَة، فإنها تمكّنت من التّخلّص من العديد من الأنظمة، والإطاحة بحكومات إيمانويل زيلايا (هندوراس 2009)، وأطاحت بالتيار الدّاعم لرافائيل كوريا الذي كان رئيس إكوادور (2007-2017) والذي منح اللجوء السياسي لجوليان أسانج، وكان من رُمُوز التيار التّقدّمي في أمريكا الوُسْطى والجنوبية، إلى جانب هوغو تشافيز (فنزويلا)  وإيفو موراليس (بوليفيا) ولُولَا دا سيلفا (البرازيل) وكريستينا كيرشنر (الأرجنتين) إلخ، وكان جميعُ هؤلاء مُستهدَفِين من قِبَلِ الولايات المتحدة التي تخلّصت منهم، بشكل أو بآخر، لكن أظْهَرت الإنتفاضات في العديد من البلدان، وخاصة في إكوادور وتشيلي، إن القمع لا يكفي لطمْس مظاهر الحَيْف والفوارق الطبقية المُجْحِفَة واحتكار الثروة من قِبَل مجموعة قليلة العدد من الأثرياء الذين تدعمهم الولايات المتحدة وشركاتها العابرة للقارات… 

بذلت الحكومة والإعلام الأمريكيّيْن ما في وسْعِهِما لتشويه سمعة كوبا التي تمكّنت، رغم الحصار، من تطوير مجالات التعليم والوقاية من الكوارث والرعاية الصحية…

استجابت حكومة كوبا لنداء العديد من البلدان التي تضررت كثيرًا من انتشار وباء « كوفيد 19″، الذي عجزت دُول كثيرة عن مجابهته، في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، وجنوب وغرب آسيا وأوروبا، وأرسلت فرق الطّوارئ، وأكثر من أَلْفَيْ طبيب وممرض إلى 23 دولة، بين شهرَيْ آذار/مارس و تموز/يوليو 2020، من بينهم نحو ستين طبيبًا إلى إيطاليا، وأربعين إلى فرنسا (مستعمرات بحر الكاريبي) بحسب الموقع الأمريكي « برغْرسِّيف إنترناشيونال » ( Progressive International )، وقبل انتشار الوباء، أرسلت كوبا فرق الطوارئ والإنقاذ إلى البلدان التي تعرضت إلى كوارث طبيعية (زلازل وفيضانات وعواصف)، مثل إيران وباكستان وآسيا الوسطى وإيطاليا وأمريكا الجنوبية، مجانًا، وبدون أي مُقابل، وأرسلت نحو ثلاثين ألف طبيب، تلقّوا تعليمًا مجانيا، وتأهيلاً في بلدهم « كوبا »، بهدف دَعْم القطاع الصّحّي في ستين دولة، معظمها من البلدان الفقيرة، من باكستان إلى ليبيريا وسيراليون، ناهيك عن بلدان أمريكا الجنوبية، ولا تحظى هذه البعثات بأي تغطية إعلامية من قِبَلِ وسائل الإعلام المُهَيْمِنَة، لأنها تُمثّل بُرهانًا على صُمُود وقُوة الشعب الكوبي، بل وصف « دونالد ترامب » أعضاء البعثات الكوبية ب »العبيد ».

لدى كوبا، أعلى نسبة من الأطباء في العالم، مقارنة بعدد السّكّان، وتمكّنت من استئصال العديد من الامراض والأوبئة، بفضل تطوير البحث وصناعة الأدوية وانتشار العيادات المحلية في كافة مناطق البلاد، وبفضل نَشْر التّوْعِيّة الصّحّية لدى المواطنين، منذ الطفولة، وتمكّن عشرات آلاف الأطباء الذين عملوا بالخارج من اكتساب تجارب عالمية هامة، في بيئات مُختلفة عن جزيرة كوبا، ومن تحديث وإعادة تأهيل الطّب التّقليدي، والعلاج بواسطة الأعشاب، والمواد المُتَوَفِّرَة محلِّيًّا، في كل بلاد، بل في كل منطقة من هذه البُلدان، ويحصل أعضاء البَعَثات الطبية والتّربوية على رواتب أعلى بالخارج، وهي رواتب بالدّولار، تحصل الدولة على نسبة منها (حوالي 25% )، وأعلنت حكومة كوبا أن الدّولة حصلت، سنة 2018، على 6,4 مليارات دولارا من عمل الأطباء والفِرَق الصّحّية بالخارج، أي أكثر من إيرادات صادرات السُّكّر ومشروب « الروم » والسيجار، مجتمعين، وأعلنت الحكومة استخدام هذه الإيرادات لتسديد تكاليف الخدمات الصحية المجانية والتعليم المجاني، من رياض الأطفال إلى الجامعات ) ولتطوير البحث العلمي ودعم الفن والموسيقى والثقافة، وجميعها مجانية ومفتوحة للعموم، وتخصص الحكومة الكوبية جزءًا من العائدات لدعم البعثات إلى البلدان التي لا تستطيع تحمل تكاليفها، فيما تتقاضى كوبا رسومًا على الدول الغنية بالنفط مثل أنغولا مقابل الخدمات الطبية، لتتمكن كوبا من إرسال آلاف الأطباء والممرضات مجانًا أو مقابل تكلفة منخفضة لدول فقيرة في أمريكا الجنوبية وإفريقيا جنوب الصحراء، ذات الدّخل المنخفض… وتعترف منظمة « الشفافية الدّولية »، وهي ليست صديقة لكوبا، انخفاض الفساد في المستويات العليا من الحكومة الكوبية، مقارنة بالدول الأخرى، وتُصنّفُ المنظمةُ كوبا، ضمن أقل البلدان فسادًا في أمريكا الجنوبية.

يُعتَبَرُ النظام الصحي الكوبي المَجاني ممتازًا، ويتساوى مع نظام الدول الغنية أو يفوقها، وحرصت الدّولة على دعم كليات الطب ببلدان أمريكا الجنوبية، ودربت حوالي ثلاثين ألف طبيب من أكثر من مائة دولة، خلال عقدَين، شرط عودتهم إلى بلدانهم لخدمة النظام الصحي بمجتمعاتهم…

تضرّرت كوبا من الحرب الإقتصادية ومن الحصار المفروض، منذ قرابة ستة عُقُود، ومن ضغط إدراة « دونالد ترامب » على بعض الدّول، لكي تُلغِي بعض الإتفاقيات التي عقدتها مع كوبا، كما تضررت كوبا من موجة الإنقلابات ومن وصول اليمين المتطرف إلى السلطة (بدعم أمريكي) في في إكوادور والبرازيل وبوليفيا، كما ضغط صندوق النقد الدّولي على العديد من البلدان، لإلغاء عقود الأطباء الكوبيين، قبل خصخصة القطاع الصحي، كشرط للحصول على قُروض من الصندوق، وفَرضت الولايات المتحدة حَظْرًا دوليا على تصدير الأقنعة والقُفازات وأجهزة التنفس إلى كوبا، التي نجحت، رغم الحصار، في احتواء الفيروس التّاجي، والحد من انتشار وباء « كوفيد 19 ».

أدّى انسحاب الأطباء والطواقم الطّبِّيّة الكوبية من البرازيل، بعدما أصبح « جاير بولسونارو » رئيسًا،  إلى التلاعب بحياة الفُقراء، وحرمان نحو 28 مليون شخص من الرعاية الصحية، من السكان الأصليين ومن الأحياء الفقيرة في أطراف المدن،  وقد يؤدّي ذلك إلى وفاة قرابة 3700 طفل برازيلي سنويا، طيلة العقد القادم.

نماذج من نضالات شعوب أمريكا الجنوبية ضد الشركات العابرة للقارّات:

تهدف الحملة العالمية « أوقفوا إفلات الشركات من العقاب » ( Stop Corporate Impunity ) إلى استعادة سيادة الشعوب على ثروات الدول وإنهاء إفلات الشركات من العقاب (06 أغسطس 2020). إن هذه الشعوب تطالب بتنظيم أنشطة الشركات عبر الوطنية والشركات الأخرى فيما يتعلق باحترام البيئة وحقوق الإنسان. تتعارض فكرة تطوير أدوات دولية لحماية حقوق الإنسان مع قوة الشركات المتعددة الجنسيات الكبيرة ، في مواجهة الحركات الاجتماعية ونضالات السكان المتضررين. سيكون من الضروري إنشاء آليات قانونية دولية فعالة لمعاقبة الشركات التي لا تحترم حقوق الشعوب وحقوق الأفراد وما إلى ذلك ، خاصة في بلدان جنوب الكوكب ، حيث الشركات متعددة الجنسيات أقوى من الدول …

في هندوراس ، تحارب مجموعة السكان المحليين (غريفون) جشع مجموعات الفنادق السياحية، الدّولية، التي تدعمها الحكومة، للإستيلاء على الشواطئ « العذراء » المليئة بالنخيل وبالرمال النظيفة، ويعارض السكان المحليون (ما يقرب من عشرة آلاف شخص من مجتمع Garifune) هذا النوع من المشاريع التي تهدد بتدمير بيئتهم وطريقة حياتهم ، القائمة على صيد الأسماك والزراعة. نجحت مجموعة السكان Garifunas في كفاحها للحصول على وقف مشروع فندق لشركة إسبانية، لكن قد يكون ذلك مجرّد تأجيل، ولذا يواصل السكان المحليون الكفاح ضد مشاريع مجموعة « هيلتون » السياحية الأمريكية، لتوسيع المجمع السياحي الذي تمتلكه، وهو مشروع مدعوم من الحكومة والبلدية والسّلطات المحلية التي تحاول ترهيب السكان المعارضين لمشروع السياحة، ففي 18 تموز / يوليو 2020 اختطف رجال يرتدون زي الشرطة أربعة مواطنين بينهم الرئيس وثلاثة من أعضاء « لجنة الدفاع عن الأرض »، لابتزاز مجتمع « غريفون »، وانقطعت أخبار المخطوفين، حتى تاريخ كتابة هذه الفقرات (01 أيلول/سبتمبر 2020)… تستفيد الشركات العابرة للقارات من دعم مجموعات المافيا، بالإضافة إلى دعم الحكومات والسلطات المحلية التي تهدد وتقمع وتعتقل وتغتال أحيانًا معارضي المشاريع التي تهدف إلى الاستيلاء على الأراضي. تنحدر مجموعة « غريفون » من نسل العبيد الأفارقة، الذين استجلبهم المُسْتعمرون الأوروبيون، إلى القارة الأمريكية، بداية من القرن السادس عشر، وهم موجودون في هندوراس ونيكاراغوا وبليز وغواتيمالا، واشهرت بموسيقاهم وإيقاعاتهم التي تعتمد على الطبل والرقص، كما أتقنوا فن طَبْخ وتقديم المأكولات البحرية، كما تألق أعضاء هذا المجتمع في ملاعب كرة القدم، وقَدّرت منظمة « الأُخُوّة السّوداء » ( Black Fratenal ) عددهم في هندوراس، سنة 2011، بنحو مائتَيْ ألف مواطن من مجموعة « غريفون »، وفي بداية سنة 2001، صَنَّفَتْ منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، لغة ورقص وموسيقى شعب « غريفون » تراثًا غير مادي للبشرية، بهدف حماية أسلوب حياتهم وعاداتهم وتراثهم الثقافي من التّلف، لكن الشركات متعددة الجنسيات ، بالتواطؤ النشط للحكومات ، تواصل اضطهاد وتهديد قادة هذا المجتمع ، بهدف نهب أراضيهم، وما تحتويه من مياه وثروات.

تُصَنِّفُ المنظمات الدولية، هندوراس، ضِمْنَ أخطرِ البلدانِ في العالم بالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان وعن الأرض، ففي شهر آذار/مارس 2016 ، وقع اغتيال الزعيمة المحلّيّة « بيرتا كاسيريس »، بسبب دفاعها عن أهلها من الشعوب الأصلية التي تكافح ضد مشروع بناء سد لتوليد الطاقة الكهرومائية على أراضي السكان الأصليين، وبعد فترة من المماطلة، اضطرت السلطات لتقديم المجرمين إلى القضاء الذي أصدر أحكامًا بالسجن على سبعة رجال متهمين بالمشاركة في الاغتيال.

إكوادور، قضية شيفرون: انتقام شركة متعددة الجنسيات من المحامي الذي دافع عن قضية المواطنين

 كافح السكان الأصليون والمزارعون في منطقة « لاغو أغريو » في إكوادور، لمدة 25 عامًا، ضد مجموعة « شيفرون » الأمريكية، إحدى عمالقة النفط، ودعم المحامي الأمريكي »ستيفن دونغير » نضالاتهم، على الجبهة القانونية، وتمكن، سنة 2009، من الحصول على قرار قضائي يُدين شركة « شيفرون » الأمريكية متعددة الجنسيات. لقد أدت أنشطة شركة النفط هذه إلى تلويث المياه والأراضي والبيئة في منطقة لاغو أغريو، وقدم المحامي، خلال جلسة 14 كانون الأول/ديسمبر أدلة على تسرب النفط في هذه المنطقة، وكان المواطنون الإكوادوريون، من السكان الأصليين قد رفعوا دعوى قضائية ضد شركة « تكساكو »، منذ سنة 1993 (اشترتها شركة « شيفرون »، سنة 2001) ، متهمين الشركة بتحويل الغابات المطيرة المحلية إلى مكب للنفايات السامة، من جراء نشاط التنقيب عن النفط، ما أدى إلى حرمان أكثر من ثلاثين ألف مزارع والسكان الأصليين في منطقة الأمازون من سبل عيشهم، بسبب التلوث الهائل الذي تسببه حقول النفط في المنطقة. أمرت محكمة إكوادورية « شيفرون »، سنة 2011، بدفع 18 مليار دولار كتعويض، وخفض المبلغ لاحقًا إلى 9,5 مليارات دولار، في سابقة تاريخية، تمثلت في فَوْزِ الإكوادوريين الفُقراء، من السكان الأصليين للبلاد، بعد سنوات من الصراع، ومن الأضرار الصحية والبيئية، على واحدة من أهم الشركات في العالم، لكن مجموعة « شيفرون » تتمتع بدعم مؤسسات الحُكْم والمال في الولايات المتحدة، وهي رمز للهيمنة الإمريكية على العالم، ولذلك رفضت تنفيذ الحُكْم، وأغلقت حساباتها المصرفية، وعلّقت نشاطها في إكوادور، ونقلت القضية إلى نيويورك ( نُشير أن شيفرون طلبت في السابق أن تجري المحاكمة في إكوادور)، وأنفقت أموالا طائلة لتشويه المحامي الأمريكي الذي تولّى الدّفاع عن قضية السكان الإكوادوريين، ولشراء قاضي ينفّذ جميع طلبات الشركة، ومع ذلك عجزت مجموعة « شيفرون » عن الفوز بواسطة القانون (وهو في صالح الشركات الكبرى)، فاستخدمت « العصا الغليظة »، واستهدفت المُحامي « ستيفن دونزيغر » شخصيًّا، وبشكل مباشر…

ألقي القبض على المحامي « ستيفن دونزيغر » الذي يخوض هذه المعركة القانونية والإعلامية منذ العام 1993 ضد الدمار البيئي الذي سببته مجموعة « شيفرون » في أمريكا الجنوبية. ولم تغطي وسائل الإعلام إدانة شركة « شيفرون » أو اعتقال المحامي، الذي أَمَرَهُ أحد قُضاة نيويورك، يوم السادس من آب/أغسطس 2020 بالخضوع للمراقبة القضائية (بسوار إلكتروني)، وبالإقامة الجبرية، والحبس المنزلي، مع مصادرة جواز سفره.

تمتلك مجموعة « شيفرون »، التي تبلغ قيمتها السوقية 228 مليار دولار، ما يكفي من الأموال لمواصلة مضايقاتها ضد المحامي « دونزيغر »، وغيره، خصوصًا وإنها تحظى بدعم الحكومة الأمريكية، وسبق أن أنفقت الشركة مبالغ كبيرة على حملة تشهير ضد المحامي « ستيف دونزيغر »، الذي تم شطبه من سجل المحامين، فلم يعد بإمكانه العمل وكسب المال للعيش، كما تم تجميد حساباته المصرفية، ويجب عليه أن يدفع غرامات باهظة، أقرَّها قاضي المحكمة الفيدرالية الأمريكية « لويس كابلان »، الذي ترأس نزاع شيفرون مع دونزيغر منذ سنة 2011 ، ورفع القاضي دعوى ضد المحامي، بتهمة ازدراء القضاء، ما أظْهَر تَحَيُّزَ القاضي، الذي أظْهر حماسة كبيرة لصالح شركة « شيفرون »، مُلَبِّيًا جميع طلباتها، وزيادة، بسرعة قياسية، ويبرر القاضي « كابلان » انحيازه لمجموعة « شيفرون » باعتبارها « شركة ذات أهمية كبيرة لاقتصادنا، فهي توظف آلاف الأشخاص حول العالم وتقدم مجموعة كبيرة من  الخدمات، من استخراج النفط إلى التكرير وبيع البنزين وزيت التدفئة وأنواع الوقود ومواد التشحيم الأخرى الضرورية لحياتنا اليومية. « ، وهي نفس العبارات التي تستخدمها حكومة الولايات المتحدة، لتبرير دعمها لهذه المجموعة النفطية، ثاني أكبر مصدر لغازات الاحتباس الحراري، وثاني أكبر ملوث في العالم.

يُظهر الحظر المفروض على العمل والسفر والكسب ومغادرة المنزل، والذي يثقل كاهل المُحامي « ستيف دونزيغر » حاليًا، القوة (المالية والسياسية والقضائية) التي تتمتع بها الشركات الكبرى، مثل « شيفرون »، في مواجهة الدول أو مُقابل حياة المواطنين في الدول الفقيرة، أو « الجنوب »، مثل إكوادور أو نيجيريا.

سبق أن أورَدْتُ أخبارًا عن هذه القضية، ضمن نشرة الإقتصاد السياسي، وضمن بعض المقالات عن أمريكا الجنوبية، ووردت معظم المعلومات التي اعتمَدْتُها في هذه الفقرات، في موقع صحيفة « إنترسبت »، بتاريخ 26 آب/أغسطس 2020.

خاتمة:

تمكنت الرأسمالية، في مرحلة الإمبريالية (وما العَوْلَمَة سوى حقبة أو طور من أطوار مرحلة الإمبريالية) من تطويق العالم، واحتجاز التّطَوّر والتنمية في البُلدان الواقعة تحت الإستعمار والهيمنة، ومن إحكام الطّوْق، بعد الحرب العالمية الثانية، بواسطة المُؤسسات الدّولية التي خَلَقَتْها لخدمة مصالحها، مثل صندوق النقد الدّولي، والبنك العالمي، وما أصبحت تُسمّى « منظمة التجارة العالمية »، بالإضافة إلى العديد من المؤسّسات الإقليمية، والمُؤسسة العسكرية العُدْوانية المُسماة « حلف شمال الأطلسي » (ناتو)، وغيرها، وتخلّصت الإمبريالية الأمريكية من منافس عنيد، بانهيار الإتحاد السوفييتي، فزادت من غطرستها، وقطعت شوطًا إضافيًّا في مجالات الهيمنة والعدوان، بشكل يجعل مقاومة البلدان والشعوب مُنْفَرِدَة أمرًا عسيرًا وغير مضمون العواقب، ما يُؤكد ضرورة إنشاء مؤسسات وأُطُر وهياكل تنسيق دولية، تضم شعوب آسيا، وإفريقيا وأمريكا الجنوبية…

لا يمكن لأي بلد واقع تحت الهيمنة، أو من بلدان « الجنوب » تنمية الإقتصاد والمُجتمع، عبر تقليد مراحل تَطَوُّر الدول الرأسمالية المتقدمة حاليا، لأن آليات التطور، والعلاقات، والمبادلات غير المُتكافئة، تُشكّل حاجزًا أمام هذا « الطّمُوح السّاذج » (أو المُخادِع)، ولا سبيل للتطور وتحقيق التنمية في هذه البلدان، سوى بالقَطْع مع النظام الرأسمالي والإمبريالية، التي لن تقف مكتوفة الأيدي، مُتفرِّجَة، بل أظهرت التجارب التاريخية مدى شراستها لمقاومة، بل مُحاربة، أي تجربة لإنجاز الإستقلال، أو حتى الإكتفاء الذاتي، ولو كانت هذه التجارب حَذِرَة، وغير جذرية، وما الأمثلة التي ذكرناها، بشأن أمريكا الجنوبية، سوى نماذج، أو غيض من فَيْض، فقد ارتكبت الإمبريالية الأوروبية مجازر عديدة، منذ غزو أمريكا الجنوبية والشمالية، منذ نهاية القرن الخامس عشر، وانطلقت الولايات المتحدة في الإعتداءات والإحتلالات، منذ نهاية القرن الثامن عشر…

إن شراسة الإمبريالية، تفرض علينا التقارب مع شُعُوب أمريكا الجنوبية، وشعوب إفريقيا وآسيا، لتشكيل جبهة مُقاومة واسعة، من أجل تحرير الأراضي المحتلة، ومن أجل تطوير مختلف الطاقات والإمكانيات، لمصلحة الشعوب والفئات الكادحة والفقيرة، وتندرج دراسة تجارب الشعوب الأخرى، ومن بينها تجارب شعوب أمريكا الجنوبية، في هذا الإطار، لاستخلاص الدّروس، وللإستفادة من هذه التّجارب…               

يرجى مراجعة مقال بعنوان « على هامش انتفاضات أمريكا الجنوبية: الإمبريالية في خدمة الدكتاتورية ! » – الطاهر المعز أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2019

 الطاهر المعز